حين تصبح الأمومة رسالة: قصة طبيبة مصرية” ليلى” وجدت شغفها في حماية المراهقين من الإيذاء الجنسي

حماية المراهقين من الإيذاء الجنسي
المراهقة ليست مرحلة عمرية عادية، بل هي مرحلة تعج بالتحديات والتساؤلات النفسية والاجتماعية والجسمية. فلم تكن تتوقع الدكتورة ليلى أن دخول أطفالها لمرحلة المراهقة، وحبها وحرصها على التواصل الفعال معهم ومع أصدقائهم أن يكونا سبباً في تغيير مسار حياتها وتبني فكرة حماية المراهقين من الإيذاء الجنسي!
فقد أدركت أن هناك فجوة في التعامل مع هذه المرحلة، الأمر الذي أيقظ لديها صوت داخلي جعلها تفكر في دورها في الحياة مرة أخرى. فاختارت أن تحاول سد تلك الفجوة من خلال مبادرات استهدفت الأهل والمراهقين وتغيير حياتهم وفهمهم للمراهقة بطريقة صحية واعية.
عرفينا على نفسك
ليلى، أم لشابين، طبيبة أطفال، عملت في مجال الطب لمدة عشرين عام. اخترت مهنة طب الأطفال لحبي لمساعدة الناس منذ طفولتي. وتأثراً بأمي التي كانت دوماً تساعد الناس وتدعمهم.
تتطلب مهنة الطب التعامل بحيادية بعيداً عن المشاعر. فهل تمكني من تحقيق التوازن بين الجانب الإنساني والحفاظ على حيادية العمل؟
لم أفصل يوماً بين مشاعري ومهنتي منذ دراستي، فهدف الطب في تخفيف آلام الناس لا يمكن فصله عن المشاعر الإنسانية.
أستذكر مثلاً خلال فترة دراستي للتخصص بادرت أنا وزملائي لإقامة احتفال في يوم الأم للسيدات في قسم الأمراض المزمنة. ولاقت الفكرة تفاعلاً رائعاً وكانت دافعة لاستمراريتي في هذا النهج. فبعد دراستي لطب الأطفال كنت أحرص على دعمهم وتشجيعهم نفسياً وإحضار الهدايا وقراءة القصص والمجلات أثناء وردياتي الليلية. وأعتقد أن هذه التجارب شكّلت جزءًا أساسيًا مما أقوم به اليوم في حياتي.

ما الذي دفعكِ للانتقال من ممارسة الطب إلى تأسيس مشروع”Not Guilty” ،وكيف كان قراركِ هذا مرتبطًا بشعوركِ العميق تجاه المراهقين والأسر لحمايتهم من الإيذاء الجنسي؟
دخول أولادي مرحلة المراهقة كان هو السبب الأول، فأنا كنت دوماً حريصة على وجود جسور تواصل بيننا. فكنت أرحب وأشجعهم دوماً على استضافة أصدقائهم في المنزل لأتمكن من سماعهم ومعرفة التحديات التي يواجهونها. وتفاجئت حينها في كم المشاكل العاطفية والنفسية التي يمرون بها، فبدأت أقدم لهم حلول بسيطة بحسب خبرتي.
اقرأ أيضاً: كيفية التعامل مع المراهق؟ رحلة تقارب أم صدمات لا تنتهي

ولكن أيقنت في ذات الوقت أن المراهقين يحتاجون لطريقة تعامل مختلفة. فبدأت رحلتي في القراءة والدراسة عن المرحلة وكيفية التعامل معها. بعدها بفترة أطلقت برنامجي التلفزيوني” هنعيشها صح”. وتناولت فيه طرق توعية المراهقين والإجابة عن أسئلتهم في كافة المواضيع المتعلقة بالجنس والعلاقات والمخدرات وغيرها، وطرق التعامل مع تحدياتهم الخاصة بالمرحلة.
كيف كان تفاعل الجمهور مع برنامج “هنعيشها صح”، وهل لاحظتِ تأثيرًا ملموسًا على المراهقين والأسر بعد مشاهدته؟
لاقى البرنامج صدى إيجابي إلى حدٍ ما، وكوني طبيبة منحني الأمر مصداقية وثقة أكبر لدى الأهل. وهذه الثقة دفعتنا لتطوير فكرة البرنامج، فبدأنا بعمل معسكرات صيفية تضم المراهقين والتي فيها تطورت فكرة” Not Guilty”. فقد لاحظت تكرار سيناريوهات تعرض المشتركين للإيذاء الجنسي. واكتشفت حينها مرة أخرى أن لدي نقص في المعلومات المتعلقة بالموضوع، فبدأت رحلة دراسية جديدة في مدرسة متخصصة بالأمر.
وبعدها إتمام دراستي عام 2009 أطلقت المشروع، وأشهرته عام 2012. وفيه بدأنا حملاتنا التوعوية للمراهقين في المدارس، ثم توسع نشاطنا ليشمل الأهل والمعلمين أيضاً، وحتى توسعنا على مستوى الدول فأقمنا حملات في الأردن وتركيا مع حوالي 60 مدرسة، وتعاوننا مع عدد من المنظمات مثل: الأمم المتحدة وغيرها. وتم ترشيحي لجائزة” أشوكا” في تلك الفترة.
يُقال كلما زادت النجاحات، زادت التحديات. أخبرينا عن أبرز التحديات التي واجهتيها أثناء مشروع”not guilty”؟
بالطبع واجهتني عدة تحديات، أبرزها أن الأفكار التي أناقشها وأتطرق لها تعتبر من المواضيع المحرمة والمنطوية تحت ثقافة العيب في المجتمع، بالإضافة لتعرضي للعديد من السرقات الفكرية حيث تم نسب أفكاري وكتاباتي إلى آخرين! ولكن إيماني برسالتي ومهمتي كان السبب الرئيسي للإكمال في المشروع رغم كل شيء!

هل يكفي الإيمان بالرسالة لتخطي التحديات؟ أم وجود بيئة وأشخاص داعمون مهم أيضاً؟
بالتأكيد، الإيمان بالرسالة أمر مهم ولكنه لا يكفي لوحده، فأنا أم عاملة قبل مشروعي في توعية المراهقين، وكان دعم زوجي في كل مراحل حياتي المهنية والدراسية أساسي لنجاحي واستمراري، بالإضافة لدعم أمي وأم زوجي ومساعدتي في تربية الأطفال والعناية بهم.
5 أمور عليكِ معرفتها قبل طلب المساعدة من الأجداد
في الشرق الأوسط واحدة من كل 4 بنات وواحد من كل ست أولاد يتعرض لتحرش جنسي قبل سن 18 سنة، وحولي فقط 10 بالمئة من الحالات فقط يتم التبليغ عنها!

لو امتلكتِ عصا سحرية للتغيير في المجتمع، ما أول شيء تقومين بتغييره؟
تغيير الثقافة المجتمعية التي تلوم الضحية وتعاقبها بدل من الجاني، فردة الفعل الخاطئة من الأهل ومحاولة لوم الطفل أو اسكاته تكون في حالات كثيرة السبب في تعرض الطفل والمراهق لمزيد من الايذاءات، لهذا من المهم التعامل بشكل صحيح مع الأمر، من خلال توعية الأطفال بأهمية حماية أجسادهم ومناطقهم الخاصة، وتصديقهم والثني عليهم في حال تحدثوا عن حادثة ما!
كما ويمكن استخدام طريقة اللعب لتعليم الأطفال كيفية التصرف في حال تعرضهم لأذى، مثلاً ذكر مواقف مريحة وغير مريحة بالنسبة للطفل واختبار ردات فعلهم، وبالتالي تتبرمج ردود أفعالهم باللاوعي على رفض هذه التصرفات والمواقف!
في ظل العمل في قطاع مليء بالتعامل مع المشاعر المؤلمة، كيف تستطيعين العناية بصحتك النفسية؟
تعلمت أن الاهتمام بصحتي النفسية ضرورة للاستمرار، فاحرص على الفصل من وقت للآخر عن العمل، من خلال تحديد عدد الاستشارات أسبوعياً، واخترت أن يكون هناك شهر كامل من العام لا أستقبل فيه أي استشارات. بالإضافة لممارسة الأنشطة الرياضية المتنوعة وسماع الموسيقى.
وأيضاً أهتم بالصحة النفسية لفريقي من خلال عقد جلسات أسبوعية للتفريغ والحديث عن كل ما نشعر به. قد لا ننجح دوماً في تحقيق الفصل المطلوب فهناك بعض الحالات التي نتأثر بها أكثر من غيرها، ولكن نحاول قدر المستطاع!
في الختام، لم تكن قصة الدكتورة ليلى قصة نجاح شخصية، بل رسالة أمل للعائلات والمراهقين في غد أفضل وأكثر أمان!
احجزي الآن: استشارات تربوية للمراهقين والتعامل معهم مع الأخصائية فاطمة خلف

