…صفية الحبسي…فنانة إماراتية تبني بالفسيفساء قيماً تجمع الأسرة والمجتمع

في كل لوحة فسيفساء تبدأ الحكاية بقطع صغيرة تبدو منفصلة، لكل منها لونها وشكلها ومكانها. لكن عندما تجتمع هذه القطع بعناية، تتحول إلى لوحة متكاملة تحمل معناً أكبر من تفاصيلها. هكذا تنظر صفية الحبسي: فنانة إماراتية، إلى الفن، وهي الرؤية ذاتها التي تعكسها في فهمها للأسرة والحياة. 

صفية الحبسي أم وجدة وفنانة فسيفساء إماراتية، وصاحبة مشروع «موزيكس للأشغال اليدوية». فبعد سنوات من العمل الحكومي، لم تنظر إلى التقاعد باعتباره نهاية لمسيرتها، بل بداية مرحلة جديدة عادت فيها إلى شغفها للفن، وحوّلته إلى رسالة تجمع بين الإبداع والتربية وتعزيز الهوية الإماراتية.

وقد استلهمت فكرة اسم «موزيكس» من مفهوم TEDx، ليس من حيث الاسم أو العلامة التجارية، وإنما من حيث الرسالة، فكما يسعى TEDx إلى نشر الأفكار والمعرفة التي تستحق الانتشار، أسعى من خلال موزيكس للأشغال اليدوية إلى نشر المعرفة بفن الموزاييك، وتعريف المجتمع بقيمته الفنية والثقافية والتراثية، وإلهام الآخرين لتعلمه وممارسته.

ورسالتي هي أن تكون «موزيكس» منصة لنشر المعرفة والإبداع في فن الموزاييك، تماماً كما أصبحت TEDx منصة لنشر الأفكار الملهمة في مختلف المجالات.

واليوم تقدم قصتها نموذجاً للمرأة التي تواصل العطاء في مختلف مراحل حياتها؛ في بيتها وعملها وفنها ومجتمعها، مؤكدةً أن الطموح لا يرتبط بعمر، وأن كل مرحلة قد تفتح أمام المرأة باباً جديداً للنجاح والتأثير.


تجدون في هذا المقال


بعد سنوات قضتها صفية الحبسي في العمل الحكومي، بدأت مع التقاعد رحلة مختلفة، لكنها لم تكن بعيدة عن خبراتها السابقة أو عن القيم التي رافقتها طوال حياتها. عادت إلى شغفها القديم بالفن، وأسست مشروع «موزيكس للأشغال اليدوية»، لتجد نفسها في مساحة تجمع بين الفن والأسرة والعمل المجتمعي. ولم يكن المشروع مجرد انتقال من الوظيفة إلى العمل الخاص، بل امتدادًا لتجربة امرأة إماراتية وأم آمنت دائمًا بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء أي عمل فني.

تقول صفية عن هذه المرحلة: “بعد سنوات من العمل الحكومي، بدأت رحلة جديدة مع التقاعد، لكنني أؤمن أن العطاء لا يتوقف عند مرحلة عمرية معينة، بل قد يبدأ منها.

وتجسد تجربتها أحد أهم معاني تمكين المرأة الإماراتية؛ فالتمكين لا يقتصر على الوصول إلى منصب أو تحقيق إنجاز مهني، بل يشمل قدرة المرأة على اكتشاف ذاتها من جديد، واستثمار خبراتها، وتحويل شغفها إلى أثر يستفيد منه الآخرون.

تصف صفية الأمومة بأنها أجمل مدرسة في حياتها. وخلال سنوات عملها، كانت تحاول أن تكون حاضرة في تفاصيل حياة أبنائها، مدركة أن هذا الحضور لا يُقاس دائماً بعدد الساعات، بل بجودة الوقت والاهتمام والحوار.لم تكن الموازنة بين العمل والأمومة سهلة، كما هي الحال لدى كثير من الأمهات العاملات. فقد مرت بلحظات من التعب والقلق والخوف من التقصير، لكنها لم تجعل البحث عن المثالية يطغى على علاقتها بأبنائها.

كانت تؤمن بأن الطفل لا يحتاج إلى أم مثالية، بل إلى أم تمنحه الحب والاحتواء، وتصغي إليه وتشعره بالأمان. لذلك حرصت على أن تبقى الأسرة أولوية، وأن تكون اللقاءات العائلية والحوار ومشاركة تفاصيل اليوم جزءاً ثابتاً من حياتهم. واليوم، عندما ترى أبناءها وقد أصبحوا أشخاصاً مسؤولين وأسّسوا أسرهم، تشعر بأن كل الجهد الذي بذلته كان يستحق.

تجربة صفية تذكّر كل أم عاملة بأن التوازن بين العمل والأسرة لا يعني توزيع الوقت بالتساوي في كل يوم، وإنما يعني معرفة ما تحتاجه الأسرة في كل مرحلة، والحضور الحقيقي عندما تكون الأم مع أبنائها.

صفية الحبسي

قد تواجه بعض النساء بعد التوقف عن العمل شعوراً بفقدان جزء من هويتهن المهنية، أو يتساءلن عما إذا كان بإمكانهن العودة إلى طموحاتهن بعد سنوات من التفرغ للأسرة. أما صفية فلم تنظر إلى الأمومة باعتبارها انقطاعاً عن الحياة، بل استثماراً في أهم مشروع يمكن للإنسان أن يقدمه وهو بناء أسرة مستقرة. ومع عودتها إلى الفن بعد التقاعد، اكتشفت أن خبراتها كأم لم تكن منفصلة عن مسيرتها الجديدة، فقد ظهرت قيم الصبر والاحتواء والتعاون والحوار في أعمالها الفنية وفي الورش التي تقدمها للأطفال والأسرة. وتؤمن صفية بأن المرأة ليست مطالبة بأن تختار بين الأسرة والطموح، وإنما يمكنها أن تعيش مراحل مختلفة من النجاح. فقد تكون الأولوية في مرحلة ما لتربية الأبناء، ثم يأتي وقت تعود فيه إلى الدراسة أو العمل أو الشغف الذي تحبه، مستفيدة من كل ما اكتسبته خلال رحلتها.

وتجد هذه الفكرة صداها أيضًا في كتاب “خيروني بين الأمومة والطموح فاخترتُ الاثنين” للكاتبة ميرا حوراني الذي يروي تجربة واقعية عن التوفيق بين الأمومة وتحقيق الطموح.

وهذا أحد المعاني التي تستحق الاحتفاء بها في يوم المرأة الإماراتية، ليس للنجاح شكل واحد، ولا توقيت واحد، ولا طريق واحد يناسب جميع النساء.


خلال رحلة الأمومة والعمل، مرت صفية بمشاعر تعرفها كثير من الأمهات؛ القلق والخوف والشعور بالتقصير ومحاولة الوفاء بمسؤوليات متعددة في الوقت نفسه. كانت تتعامل مع هذه المشاعر بالهدوء، وتتجنب جلد الذات، وتذكّر نفسها بأن التربية رحلة طويلة وليست اختباراً يومياً للكمال. كما استمدت قوتها من إيمانها بالله، ومن الحوار مع أسرتها، ومن ممارسة الفن.

أصبحت الفسيفساء بالنسبة لها مساحة للتأمل واستعادة التوازن النفسي. فعندما تجلس لترتيب القطع الصغيرة، تشعر وكأنها تعيد ترتيب أفكارها ومشاعرها أيضاً. وتقدم تجربة صفية رسالة مهمة لكل أم، بأن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، وتخصيص وقت لممارسة .هواية أو تعلم مهارة جديدة لا ينتقص من دورها داخل الأسرة، بل قد يساعدها على أداء هذا الدور بطاقة نفسية أفضل


اقرئي أيضًا: كيف أبدأ من جديد؟ ناتالي خلف تروي رحلة التعافي من الاكتئاب


لا ترى صفية الحبسي الفن مجرد هواية أو وسيلة للترفيه، بل لغة يمكن توظيفها في التربية وبناء العلاقة بين أفراد الأسرة. ومن هذا المنطلق، بدأت تقديم ورش فنية للأطفال والأسر، تربط فيها بين فن الفسيفساء ومجموعة من القيم الأسرية والإنسانية، مثل الصبر، والتعاون، واحترام الاختلاف، والعمل الجماعي.

فعندما يعمل الطفل على لوحة فسيفساء، يتعلم أن النتيجة الجميلة تحتاج إلى وقت، وأن الخطأ يمكن تعديله، وأن اختلاف الألوان والأشكال لا يفسد اللوحة، بل يمنحها جمالها وتميزها. وعندما يشارك أفراد الأسرة في إنجاز عمل فني واحد، تتحول الورشة إلى مساحة للحوار والتعاون وصناعة ذكريات مشتركة، ليصبح الفن وسيلة عملية تساعد الوالدين على الاقتراب من أبنائهما بعيدًا عن الأوامر والمحاضرات المباشرة.

وتلخص صفية هذه الفلسفة بعبارتها: “كل قطعة فسيفساء تحمل قيمة… وكل قيمة تصنع أسرة.” وبالنسبة إليها، تشبه الأسرة لوحة الفسيفساء؛ فلكل فرد شخصيته المختلفة ودوره الخاص، لكن الاهتمام بكل فرد، ومنحه المساحة التي تناسبه، هو ما يصنع أسرة متماسكة ومتكاملة.

صفية الحبسي_ فن الفسيفساء

تحرص صفية في مشاركاتها المجتمعية ومعارضها الفنية على إبراز الهوية الإماراتية، ليس بوصفها موضوعاً بصرياً فحسب، بل قيمة تنتقل من جيل إلى آخر. فهي تؤمن بأن المحافظة على الهوية تبدأ من داخل الأسرة؛ من الحكايات التي يسمعها الأطفال، والقيم التي يشاهدونها في سلوك والديهم، وارتباطهم باللغة والتراث والمجتمع. بعد ذلك تنعكس هذه الهوية في اختياراتهم وفي كل ما يقدمونه لوطنهم. ومن خلال الفن، تحاول صفية تعريف الأطفال والشباب بجمال الموروث الإماراتي بطريقة تفاعلية وقريبة منهم. فهي لا تقدم التراث باعتباره شيئاً ينتمي إلى الماضي فقط، وإنما مصدر إلهام يمكن إعادة تقديمه بلغة فنية معاصرة. وتنسجم هذه الرسالة مع الاحتفاء بيوم المرأة الإماراتية، الذي يسلط الضوء على دور المرأة في الحفاظ على الهوية الوطنية، إلى جانب إسهامها في التعليم والعمل والابتكار وريادة الأعمال وخدمة المجتمع.

ارتبط اسم صفية الحبسي بإنجاز عالمي مميز بعدما صممت أكبر علم فسيفسائي مصنوع من مواد قابلة للتحلل، ضمن مشروع لبنك أبوظبي التجاري حصد رقماً قياسياً في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. بلغت مساحة العلم 26,849 متراً مربعاً، وصُنع بالكامل من مواد صديقة للبيئة، جامعاً بين الاعتزاز بالهوية الوطنية والالتزام بالاستدامة. لا ترى صفية هذا الإنجاز نجاحاً فردياً فقط، بل ثمرة للإصرار والتعاون والعمل الجماعي، ورسالة تؤكد أن الإبداع الإماراتي قادر على الوصول إلى العالمية مع الحفاظ على هويته وأصالته. كما يعكس الإنجاز تطور تجربتها الفنية؛ من شغف شخصي ومشروع للأشغال اليدوية إلى تصميم عمل يحمل اسم الإمارات ويحقق حضوراً عالمياً.

تنصح صفية الأمهات الجدد والنساء في بداية مسيرتهن المهنية بأن لا يقارنَّ أنفسهن بالأخريات؛ فلكل امرأة ظروفها، ولكل أسرة احتياجاتها، ولكل أم رحلتها الخاصة. وتدعوهن إلى البحث عن التوازن بدلاً من الكمال، وتخصيص وقت لأنفسهن ولأسرهن، وعدم التردد في طلب المساندة عند الحاجة. كما تشجع المرأة على الاستمرار في التعلم، لأن تطوير الأم لنفسها لا ينعكس عليها وحدها، بل يمتد أثره إلى أبنائها وأسرتها ومجتمعها.

أما رسالتها الأجمل، فهي أن الأطفال قد لا يتذكرون كل الهدايا التي حصلوا عليها، لكنهم سيتذكرون اللحظات الجميلة التي عاشوها مع والديهم، والأمان الذي شعروا به، والوقت الذي اجتمعت فيه الأسرة بمحبة واهتمام.

لا تختصر قصة نجاح صفية الحبسي في لوحة فسيفساء أو مشروع فني أو رقم قياسي عالمي؛ إنها قصة أم وجدة وفنانة إماراتية استطاعت أن تجمع خبراتها في الأسرة والعمل والفن داخل رسالة واحدة. تعلّمنا تجربتها أن المرأة تستطيع البدء من جديد في أي مرحلة، وأن الأمومة لا تلغي الطموح، بل قد تمنحه معنى أعمق. كما تؤكد أن الفن يمكن أن يصبح وسيلة للتربية والحوار والحفاظ على الهوية وتعزيز الروابط الأسرية.

وفي يوم المرأة الإماراتية، تمثل صفية نموذجاً لنساء الإمارات اللواتي لا يتوقف عطاؤهن عند دور واحد أو مرحلة واحدة. فكل تجربة عشنها تتحول إلى قطعة جديدة في لوحة كبيرة عنوانها الأسرة والمجتمع والوطن.


اقرئي عن
أنيسة الشريف: أثر الأمومة في اختيار العمل الحُر لنشر الوعي المجتمعي تجاه تمكين المرأة والوالدية

Ruba AbuObidAlla
Ruba AbuObidAlla

أتمتع بمجموعة من الخبرات العملية التي منحتني معرفة قوية وخلفية مهنية متنوعة. بدأت مسيرتي المهنية في مجال الرعاية الصحية، حيث عملت في مستشفى الشيخ خليفة الطبي لمدة 8 سنوات. خلال هذه الفترة، عملت كمساعد شخصي ومترجمة، مما أتاح لي فرصة اكتساب الكثير من المعرفة حول أنظمة الرعاية الصحية.

بعد ذلك، انتقلت للعمل في صندوق خليفة لتطوير المشاريع، الذي يولي اهتمامًا كبيرًا بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دولة الإمارات. أعمل حاليًا ككبيرة محررين في قسم الاتصال المؤسسي والتسويق، وهو ما أتاح لي فرصة اكتساب الكثير من المعرفة حول القطاع المالي.

أحب التغيير الذي وجدته مفيدًا للغاية لأنه يوفر لي مساحة لتعلم وتجربة أشياء جديدة. الآن، أصبحت أتمتع بمهارات قوية في الترجمة وكتابة النصوص في مجالات الإعلام والرعاية الصحية.

المقالات: 9

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *