العنف ضد الأطفال آثاره ومواجهته

أمومة وتربية الطفولة المبكرة

العنف ضد الأطفال آثاره ومواجهته

العنف ضد الأطفال

” لقد انتهى الاعتداء، لكن أثره لا يمحى.”

هذا ما قالته فتاة بالثلاثينات، عندما سُئلت عن العنف الذي كانت تتعرض له في طفولتها. إنه لمن القسوة بمكان، أن تجعل الطفل، ذلك المخلوق الملائكي حبيب الرحمن؛ يفقد احترامه لنفسه. للدرجة التي تجعله يعتقد أن هذا العنف هو أمرٌ طبيعي. وأن الحنوّ واللين والتفاهم ليسوا من حقه بالأساس.

كثيراً ما نرى طفلاُ يعنّفه أبوه بشدة؛ وينهال عليه ضرباُ. وما هو إلا باسطاً يده إلى والده يربِّتُ عليه ويتحسس وجهه بأصابعه. ربما بحثاً عن الأمان الذي ينشده، أو هرباُ من هذا الوحش الذي أمامه. يريده أن يتوقف عن الصراخ به. يتمنى لو يضمه إلى صدره ليحتمي به منه، لئلا يشعر أنه بلا مأوى، أو ملاذ.

طبقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية؛ فإن ثلاثة أطفال من كل أربعة أطفال، في عمر ما بين الثانية والرابعة. يتعرضون للإيذاء الجسدي أو النفسي، من قِبل أولياء أمورهم.

وأشارت إلى أن عدداً يصل إلى مليار طفل؛ أعمارهم بين الثانية والسابعة عشر. قد تعرضوا للعنف الجسدي أو الجنسي أو العاطفي، خلال العام الماضي.

كما تشير أيضاً إلى أن الطفل الذي تعرض للعنف؛  يكون أكثر احتمالية أن يمارس سلوكيات عنيفة تجاه الآخرين. لنصبح أمام دائرة من العنف الذي لا ينتهي؛ نتيجة لسلوك أب أو أم أو قريب، فقد السيطرة على مشاعره في لحظة غضب أو ما شابه.

إن العنف ضد الأطفال بمفهومه الشامل. هو أي نوع من سوء المعاملة، الموجه من شخص ناضج، تجاه طفل أقل من الثمانية عشر عاماً. ربما يكون هذا الشخص في المدرسة، أو أحد الجيران أو الأقارب، أو شخصاً مجهولاً لا يمت للطفل بصلة.


و ينقسم العنف ضد الأطفال إلى عدة أنواع

العنف الجسدي وهو أي تصرف يؤدي –أو يمكن أو يؤدي- إلى أذى بالجسد.

العنف اللفظي وهو يشتمل على الصراخ، والسباب. ونعت الطفل بصفات سلبية. التهديد سواء بالضرب والإهانة، أو بالإهمال والنفي، أو غيره من الإساءات. النقد والسخرية من طفلك، أو الاستهزاء به بشكل فظ.

العنف الجنسي وهو قيام أحد الراشدين بسلوك جنسي سواء باللمس أو غيره. أواستغلال الأطفال في الدعارة و إنتاج محتويات جنسية. أوإجبار الطفل على ممارسات جنسية.

العنف النفسي الذي يشتمل على إهمال الطفل واحتياجاته الأساسية، والتجاهل والرفض.


أجريت هذه العينات البحثية/الدراسات على الأطفال من عمر ما قبل المدرسة وحتى الثامنة عشر. إلا أن أكثر فئة عمرية متضررة؛ هي الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي من 6 إلى 12 عاماً. لكن إحدى هذه الأبحاث، كشفت عن فاجعة إنسانية بكل المقاييس. وهي أربعة حالات قد تم تسجيلها لأطفال؛ لم تبلغ عامها الأول بعد. والتي أسفرت في إحداها عن غيبوبة، وفي أخرى عن إصابة دماغية أدت إلى الوفاة.

هذه الأعداد تقتصر فقط على الحالات التي تم الإبلاغ عنها، سواء بمراكز الشرطة أو العيادات والمستشفيات أو المدارس. أو ظهرت عليها آثار عنفٍ كالحروق والكسور والجروح والإصابات الدماغية؛ ولا حاجة لأن نقول أن ما خفي كان –بالتأكيد- أعظم.

أيضاً كشفت الدراسات

عن أن المتورط الأول في العنف ضد الأطفال هو الأب. تليه الأم. وأن معظم المتورطين في هذه الجريمة في العموم، هم أشخاص معروفون جيداً بالنسبة للطفل. نسبة العنف ضد الأطفال من غير ذويهم، هي نسبة ضئيلة لا تكاد تذكر. ربما تعتقد أن الآباء والأمهات، المتورطين في مثل هذه الجرائم ليسوا على قدر من الوعي أو التعليم الكافي. –رغم عدم الحاجة للتعليم ليتيقن المرء من عدم آدمية هذه الجرائم-. أو من طبقات اجتماعية معدومة؛ إلا أن الدراسات كشفت عن نسبة ضئيلة، لا تتجاوز ال16% من الوالدين أميّين، فبات من المستحيل اعتبار الأمية سبباً في هذا، كما تنوعت الطبقات الاجتماعية المشاركة في هذه الجرائم.


في حال شهدت أو اشتبهت في واقعة عنف ضد الأطفال

إذا كنت لا تمت لهذا الطفل بصلة؛ عليك أن تبلغ مخاوفك للسلطات المختصة بهذا الشأن في بلدك. إذا لم تستطع العثور على بيانات هذه المنظمات؛ اتصل بالشرطة على الفور.

وإذا كنت على صلة بأحد أفراد عائلة هذا الطفل؛ سواء من قريب أو من بعيد. يمكنك أن تتحدث إلى أحد أقربائه الموثوق بهم. وتجعله هو يتخذ القرار المناسب. أو أن تشجع هذا الطفل على التحدث بما يواجهه من عنف، أو إساءات. إذا لم تجد شخصاً تثق به، يجدر بك أن تبلغ الجهات المختصة.

أما إذا كنتِ زوجة لأبٍ مسئ، أو كنت زوجاً لأم مسيئة. فإن المسؤولية على عاتقك أكبر بكثير. ربما تحاول معظم الوقت، أن تمنع الصدام بين أطفالك وبين شريكك؛ لكي لا يصل الأمر إلى العنف. يمكنك أيضاً أن تطلب العون من أحد الجيران أو الأقارب. فيقوموا بأخذ أطفالك بعض الوقت في منزلهم أو ما شابه؛ حتى تهدأ الأمور. لكن إذا حدث العنف، فعليك أن تتخذ خطوات حاسمة وفورية. عليك على الفور أن تتصل بالجهة المختصة بحماية الأطفال في بلدك.

اقرأ أيضاً كيف تصبح مربياً إيجابياً: استراتيجيات التربية الإيجابية.

إليك بعض الخطوط الساخنة المختصة بحماية الأطفال في الوطن العربي:

رقم طوارئ العنف ضد الأطفال بالمملكة العربية السعودية 116

الخط الساخن لنجدة الطفل في مصر 16000

مركز حماية الطفل بالشارقة 800700

هيئة تنمية المجتمع بالإمارات 800988

خط نجدة ومساندة الطفل بالبحرين 998

الخط الساخن لأطفال الكويت 147


علامات العنف ضد الأطفال

إن العنف ضد الأطفال له علامات متعددة. مثل الكوابيس، والبكاء المستمر. وأيضاً التبول اللا إرادي، والفوبيات الشديدة. منها أيضاً الابتعاد عن المشاركة الاجتماعية. أو التأخر في معدل النمو الطبيعي. ومنها أيضاً بعض العلامات الجسدية؛ مثل الصداع أو القئ المستمر بدون سبب طبي واضح.

كما تمتد آثار العنف ضد الأطفال، فتجعله عرضة لاضطرابات نفسية على المدى البعيد. كأن يفقد الثقة في نفسه وفي المجتمع، ويصبح ضعيف الشخصية، ويجعله عرضة للتنمر من أقرانه أو غيرهم؛ لأنه في الأساس لا يمتلك شعوراً ذاتياً بالقيمة أو الاحترام.

فتجد زيادة ملحوظة في معدلات التدخين وإدمان المواد المخدرة والكحوليات، وأيضاً الممارسات الجنسية الخطرة، كما تزداد معدلات الجريمة والأمراض النفسية كالاكتئاب وغيره. مما يؤدي بدوره لازدياد معدلات أمراض القلب والسرطان والانتحار.


وقد قام العديد من الباحثين بتفسير هذه الجريمة من خلال نظريات نفسية تناقش حالة الوالدين النفسية والعقلية وما يدور بداخلهم؛ ونظريات اجتماعية تناقش حالتهم المادية وتأثير المجتمع في هذا.

فأما النظريات النفسية

فقد أرجعت أسباب العنف ضد الأطفال إلى ضعف تقدير الذات، ونوبات الغضب المفاجئة، وضعف القدرة على التحكم في الانفعال، والرغبة في السيطرة، وبعض الاضطرابات الشخصية والنفسية، بالإضافة إلى تعرض الوالد المسئ نفسه إلى الإساءة في صغره.

أما النظريات الاجتماعية

فقد تؤدي بعض الضغوط الاجتماعية كالفقر؛ إلى العنف كوسيلة خاطئة للتخلص من التوتر. كما أن العنف ضد الأطفال يزيد بشكل ملحوظ في المجتمعات التي اعتادت على الاعتقاد بأن العنف الجسدي هو وسيلة مناسبة للتهذيب والتربية.

ربما أيضاً يرجع الأمر لعدم فهم بعض الآباء لطبيعة الطفل؛ فيضعون توقعات غير واقعية لتصرفات الأطفال، وإذا ما خالفها الطفل فإنه يتعرض للعنف.

ليس بالضرورة وجود أحد هذه الأسباب، وإن وجدت؛ فإنها ليست مبررات للعنف وإنما مجرد إضاءات للمساعدة. فالعنف ضد الأطفال يظل جريمة بكل المقاييس وتحت كل الظروف.


إن العنف ضد الأطفال في عقر دارهم لهو الغدر بمعناه الدقيق، إنه الطعن من الخلف، والخيانة لشعوره بالأمان في منزله الذي يفترض أن يكون دافئاً. لا تخذل طفلك بهذه العمر المبكرة، لايزال أمامه الكثير من الخذلان في هذه الحياة، على الأقل لا تجعله يواجهه منك أنت.

إن طفلك يثق بك، يحبك، يعتمد عليك، ينظر إليك بعين الإكبار ويود لو يصبح كبيراً مثلك، لا يحلم بأكثر من نظرة عطف منك، أو لمسةٍ  حانية، أو كلمة رقيقة، ليشعر بأنه قد امتلك الدنيا بما فيها.

عليك مراجعة قناعاتك. فإن العقاب ركن من أركان التربية السليمة بلا شك؛ لكن أسلوب العقاب المناسب هو ما يجب عليك معرفته مسبقاً. كما يجدر بك أن تعي جيداً الهدف من وراء العقاب؛ مما ينقل عملية العقاب من سلوك هدام، إلى استثمار في طفلك؛ يجعله شخصاً أفضل.

2 تعليقات

  1. […] لمقالات مشابهة؛ انقر هنا. […]

  2. […] الأطفال للعنف سواءً في المنزل أو في المجتمع مثل التعرض للاعتداء […]

اترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0
0