هانية جردانة – قصة نجاح أم موظفة عملت لمدة أربعين عاماً

قصص أمهات ملهمة

هانية جردانة – قصة نجاح أم موظفة عملت لمدة أربعين عاماً

thumbnail-8

نستمد القوة والإلهام من قصص النجاح، لكي نواصل الحُلم والعطاء ما دمنا قادرين عليه. فعند الحصاد تهون المشقة، ويستمتع الإنسان بثمار عمله وكدّه. كما هو حال قصة نجاحنا اليوم، المربية الفاضلة التي قدّمت على مدار أربعين عاماً كل جهد ومعرفة، لتنشئ أجيالا تشهد نجاحاتهم على ما تركته من أثر طيّب. تعرفوا معنا على قصة نجاح أم موظفة، المعلمة الفاضلة، القاهرة لمرض السرطان الأستاذة هانية جردانة.


اسمي هانية جردانة عمري 66 عام. متخصصة في مجال العلوم وأنا أم لأربعة من الأبناء. نشأت وترعرعت في أسرة عريقة تقدر أبناءها، وحظيت بتربية جيدة ساهمت في نجاحي، بالإضافة لدعم زوجي وأسرتي لاحقاً.

بدأت حياتي المهنية كمعلمة في إحدى مدارس عمّان، والتي كانت فرصة ليست سهلة المنال، لكنو بتوفيق الله حصلت عليها. ثم بعدها بسنوات؛ انتقلت للعيش في الإمارات لتبدأ صفحة جديدة في حياتي.

كانت سنوات عملي الطويلة رحلة جميلة جداً. حيث بدأت كمعلمة لفترة طويلة، في مكان عملي الذي بدأت منه مسيرتي العملية في دولة الإمارات الحبيبة وتقاعدت منه، حيث كنت أشعر بالانتماء للمكان الذي احتضنني، وأعطيته كل جهد أستطيعه إلى أن حصلت على ترقية فأصبحت رئيسة قسم الطالبات في المدرسة التي عملت فيها، مما أتاح لي فرصة الحصول على خبرات جديدة في القيادة والإدارة. وهذا أمر أضفى روح التحدّي وميّزة التجديد في العمل والتنوع في الخبرة.

الآن وبعد التقاعد اختلفت حياتي بالكامل. فأطفالي الصغار كبروا وبدأوا يشقون طريقهم في الحياة. اليوم أجني ثمرة تعبي، تربطني بأبنائي علاقة رائعة، فهم ناجحون – بحمدالله – يقدّرون كل التّضحيات ويتفهّمون انشغالاتي عنهم في سبيل بناء أسرة ناجحة.


  لم يكن الأمر سهلا بالطّبع، فكيف إذا تدخّل المرض! كان من الصعب إعطاء كل أمر حقه، لكن ومع ذلك بقيت الأولوية للأمومة. حرصت على إخفاء الأمر عنهم في البداية، لكيلا يتأثروا. بفضل الله كان المرض في مراحله الأولى، مما سهّل عملية العلاج، التي كانت محفوفة برعاية الله وبالأمل بالشفاء. كانت عودتي إلى العمل من أهم الحوافز التي ساعدتني للتغلب على آثار المرض، عدت وكلي طاقة وحماس. ومن الأسباب التي جعلتني أخفي مرضي عنهم، أنني لا أريد أن يشفقوا علىّ أو يشعروا بضعف أمهم، كنت أريد أن أبقى في نظرهم كما عهدوني، مثالا للقوة والنشاط، ويستمر عطائي بلا انقطاع رغم الأثر الجسدي والنفسي الذي تركه المرض.

كان لدعم أسرتي دورٌ مهم في تخطي المرض. فمساندة زوجي وأبنائي وجرعات الحب التي كانوا يغدقونها عليّ، كانت تحوّل الخوف في داخلي لشعور بالفخر بنفسي كمُحاربة للسرطان؛ فقد شجّعتني ابنتي -مثلا- على المشاركة في سباقات المشي والركض الداعمة لمرضى السرطان، وهذا أمدّني بطاقة وحماس تجاه الآخرين من خلال المشاركة الاجتماعية، والعمل التطوّعي.

لعل ذلك يعود لإيماني بأن أقوى أداة تعليمية هي: “القدوة”. فعندما تكون تصرفاتك مثالاً فعلياً لما تدعو له، تكون محط تقدير من الآخرين، وتصبح مثالا للسمعة الطيبة، وربما حرصي على العمل وتفهّم الآخرين وحل المشكلات بطريقة مرنة دون تضخيم. كما أنني ما زلت أؤمن أن في قلب كل إنسان بذرة صالحة، إن سقاها بالخير أثمرت وأينعت، لتصبح بستاناً، وإن سقاها بالشر فسدت وأفسدت أرضه.

لم يمنعني التقاعد من مواصلة مسيرتي، فأنا أحظى بحياة اجتماعية مميزة، ما زلت فيها على تواصل مع زميلاتي وطالباتي. اليوم أملأ فراغي بمشاريع خيرية مع جمعية معتمدة في عجمان للأيتام، بالتعاون مع عدد من زميلاتي، من هذه المشاريع: الإفطار رمضاني، وجمع التبرعات لإقامة آبار سقيا الماء في دول متعددة. ومن هذه الآبار بئر أطلقنا عليه اسم “الصحبة الطيبة” الذي أعتبره تتويجا لعلاقتي الطيبة مع زميلات العمل، حيث شاركنا كلنا في هذا المشروع بفضل الله.


كانت التحديات في الحياة كثيرة، لكن أبرزها كان الغربة بحد ذاتها، فليس من السهل على الإنسان مغادرة أهله ووطنه، لكن بالصبر والثقة بالله نتجاوز كل الصعوبات. وأيضاً اختلاف الجنسيات واللغات في الدراسة والحياة العامة، وصعوبات أخرى كانت متعلقة بطبيعة العمل كاستخدام الإنجليزية في البداية، لكن سرعان ما تخطّيت هذه الصعوبة من خلال التدريس والممارسة. كذلك تدريس مادة اللغة العربية للأطفال، حيث بدأت مسيرتي العملية كمعلمة لغة عربية لصفوف الروضة، وهذا دفعني للتحدي والابتكار، فقمت بتأليف كتاب لغة عربية لمرحلة رياض الأطفال، مما فتح لي آفاقاً جديدة في مسيرتي العملية. من ثم شغلت مناصب إدارية رافقتها العديد من الصعوبات، التي تجاوزتها بالصبر والإصرار على النجاح.

عندما بدأت العمل كمعلمة في دبي في سنة 1983، كانت مهنة “المعلمة” تحديداً مهنة مقبولة مجتمعياً، حيث إن عدد ساعات العمل مقبولة. وبسبب أهمية الدور المناط بالمعلمين الذين يقع على عاتقهم تنشئة المجتمع ونهضته، فلقد كان لمهنة التعليم في ذلك الوقت كل الاحترام.

عائلتي كانت الداعم الأول، رغم انشغالي عنهم في مواقف حاسمة في حياتهم، إلا أنهم قدّروا ذلك، وكان لهذا أثر كبير على نشأتهم، فقد أصبحوا الآن ناجحين في حياتهم، ويتحملون المسؤولية. لا أنكر أن انشغالي بعملي كان له بعض الآثار السلبية في نفوس أطفالي حين احتاجوني في مواقف معينه، إلّا أنهم فضّلوا تحمل المسؤولية وحاولوا حلّ مشاكلهم بأنفسهم، دون إخباري محبةً واحتراماً، وحرصاً على صحتي، فتعلموا حل مشاكلهم بأنفسهم، فكبروا ونضجوا سريعاً. اليوم وبعد أن أصبحوا شباباً، يصارحونني بتلك المواقف التي أزعجتهم في حينها، وأنا بدوري أحاول أن أقضي معهم وقتاً نوعياً أستمع فيه لاحتياجاتهم، وأستمتع به معهم.

في النهاية نختم قصة نجاح أم موظفة باستذكار قول رسول الله “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. فالعمل بحب وإتقان يريح النفس ويدفعها للعطاء أكثر، مما يعطي النتائج المرجوة، وهو ما حققته الفاضلة هانية جردانة. نقول لكل امرأة، إن قصة النجاح اليوم هي قصتك أنتِ غداً، فاستمري بالعطاء اليوم لتحظي بالغد الذي تتمنين.


يتقدم فريق كلنا أمهات بالشكر للأستاذة وجدان أبو أحمده لتقديمها هذا المقال القيم المليء بالفائدة

اقرأ أيضاً قصة نجاح كاتبة وروائية – زهرة آل درويش أم ومهندسة تقنيات ورائدة أعمال

اترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0
0