قصص نجاح أمهات ملهمات

أمال طلبة: من الألم إلى أثر يدعم أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة

أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة

 في كل مرة تُروى فيها قصة من قصص أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة، لا تُروى حكاية فردية فقط، بل يُعاد تشكيل وعي مجتمع كامل. قصص النجاح ليست رفاهية محتوى، ولا مجرد مادة ملهمة عابرة إنما هي أداة حقيقية لكسر العزلة التي تعيشها الكثير من الأمهات.

تشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقارب 16% من سكان العالم يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة، أي بمعدل شخص من كل ستة أشخاص. ما يعني أن ملايين الأمهات يواجهن تحديات يومية تتعلق بالرعاية، والدعم النفسي، والوصول إلى الخدمات المناسبة.

رغم هذا الواقع، لا تزال قصص أمهات ذوي الهمم في العالم العربي تحديدًا أقل حضورًا مما تستحق، مقارنة بعمق التجربة وتأثيرها. وهذه الفجوة لا تعني نقص القصص بقدر ما توضح نقص المساحة التي تُروى فيها وتؤكد ضرورة توسيعها.

وهنا تحديدًا، لا تصبح هذه الحكايات خيارًا… بل ضرورة


تجدون في هذا المقال

الكثير من أمهات أطفال الاحتياجات الخاصة يواجهن تلك اللحظة الصعبة وحيدات؛ لحظة تلقّي الخبر، والخروج من عيادة الطبيب إلى عالم لم يتهيأن له. لا دليل واضح، ولا خريطة طريق. وكثيراً ما يكون الإحساس بالوحدة هو أول ما يُلقي بثقله على كاهل الأم قبل الخوف نفسه. هنا تحديداً تكمن قيمة القصص الحقيقية؛ ليست القصص المُصوَّرة بالكمال؛ إنها تلك التي تعترف بالجرح وتُظهر كيف تحوّل إلى قوة. حين ترى أم أخرى مرت بذات التجربة، عندها تتحول القصص لأدوات صمود حقيقية.

أمال طلبة، أم مصرية مقيمة في الإمارات، ووالدة لطفلة من ذوي الهمم، لم تتوقف عند صدمة البدايات وإنما عملت على تحويلها إلى علامة فارقة  أعادت تشكيل حياتها، وامتد أثرها ليصل إلى حياة العديد من الأسر من بعدها.

 في عام 2014، واجهت خطأً طبيًا أدى إلى ولادة ابنتها الثالثة بإعاقة، لتبدأ من تلك اللحظة رحلة لم تتوقف. ولم تقبل بما يقوله الأطباء حدًّا نهائيًا. أجرت بحوثاً مكثفة، وسافرت حول العالم لمدة ثلاث سنوات ونصف، تكتشف خلالها التدخلات والعلاجات التي تحسّن حالة ابنتها. لم يكن الأمر سهلاً، لكنه كان ممكناً لمن تملك الإرادة والعزيمة. واليوم، ورغم كل الصعاب وتوقعات الأطباء، فإن ابنتها على وشك إتمام عامها الحادي عشر

خاضت أمال رحلة بحث، ومحاولة، وإصرار على صنع فرق حقيقي. ومع الوقت تحولت تجربتها الشخصية إلى رسالة واضحة كرّستها في حياتها: الدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم، والعمل على دعمهم وتمكينهم.

حين أدركت أمال حجم الفراغ في الوعي والدعم المتاح للأمهات العربيات اللواتي يمررن بما مررت به، لم تنتظر أحداً ليملأه. أسّست مركزاً متخصصاً يُعدّ من أبرز نماذج خدمات ذوي الإعاقة في الإمارات، يوفّر تحت سقفٍ واحد الموارد والعلاجات الشاملة التي تخص الأطفال ذوي الهمم، ويقدّم الدعم والتوجيه لأسرهم، من التدخلات المبكرة، إلى العلاجات المتنوعة والإرشاد الأسري.

ولم تتوقف عند ذلك؛ ففي عام 2015 أطلقت مجموعة دعم ذوي الهمم للأمهات، نمت اليوم لتضمّ أكثر من 250 أم في مجتمع حقيقي يمنح الأمهات الجديدات شعوراً بأنهن لسن وحيدات في هذا الطريق.



تؤمن أمال أن الأم التي تُعطي دون أن تعيد شحن نفسها ستُنهك قبل أن تصل وأن عنايتها بنفسها هي أساس قدرتها على العناية بطفلها. لهذا بنت نظامًا يوميًا يستند إلى ثلاث محاور أساسية، يكمل كل منها الآخر:

  •  الجسد: تتعامل مع الرياضة كجزء من رحلة التعافي، لا كعادة عابرة. تمارسها يوميًا لتقوية نفسها جسديًا، ولتكون أكثر قدرة على تحمّل متطلبات الرعاية اليومية وتلبية احتياجات ابنتها بطاقة واستمرارية.
  •   العقل: تُولي أهمية كبيرة للصحة النفسية للأم من خلال ممارسات الرعاية الذاتية، والسعي لإيجاد السعادة في التفاصيل الصغيرة اليومية، كما تجد في دعم الأمهات الأخريات جزءًا من توازنها، وكأنها تعيد بناء نفسها من خلال مشاركة التجربة.
  •   الروح: مع الوقت، تعلّمت أن تتقبّل ما لا يمكنها تغييره، دون مقاومة تستنزفها. تركّز اليوم على نموّها الشخصي، وعلى الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تصنعه، انطلاقًا من سلام داخلي يمنحها الثبات وسط التحديات.
نصائح لأمهات ذوي الاحتياجات الخاصة

وما تمارسه أمال ليس مجرد اختيار شخصي وإنما يسانده في صحته العلم. وفق دراسة أسترالية نُشرت عام 2024 من جامعة موناش على 290 أمًا يُربّين أطفالاً ذوي إعاقة، أثبتت النتائج أن الأمهات اللواتي التزمن ببرامج الرعاية الذاتية سجّلن تحسناً ملموساً في صحتهن النفسية، وانخفاضاً دالاً في أعراض التوتر والاكتئاب، ومضاعفةً في سلوكيات طلب المساعدة. وهو بالضبط ما تدعو إليه أمل حين تقول: “طلب المساعدة ليس ضعفاً.”

 
ومع تراكم هذه الضغوط، تحتاج الأم أحيانًا إلى دعم يتجاوز النصائح العامة، نحو مساحات عملية تساعدها على تنظيم يومها وتخفيف العبء الذهني، مثل جلسات تقليل العبء الذهني …تبسيط الحياة مع الأخصائية عهد الزبيدي، التي تُقدّم أدوات واقعية لإدارة الحياة اليومية بتوازن أكبر.


ختامًا.. أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة في عالمنا العربي بحاجة نماذج تلهمهن وتثبت أن الطريق مهما بدا وعراً يمكن سلوكه. قصة أمال طلبة ليست مجرد قصة نجاح فرد بقدر ما هي دليل عملي على ما يمكن أن تصنعه امرأة حين تحوّل ألمها إلى رسالة، وعزلتها إلى مجتمع داعم لقضيتها ورسالتها.

اترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *